مًسٌّ … لكنَّه قرآني

كتبهااحمد البنا ، في 30 سبتمبر 2009 الساعة: 22:21 م

تراه يذرع المخيم جيئة وذهاباً يلهج بذكر الله وتلاوة آياته آناء الليل وأطراف النهار ، معتزلٌ وحيدٌ معتكف ، لا يقربه أحد ولا يقرب أحداً ، يلفت نظر الغادي والرائح ، يتمتم بكلمات لايفهمها إلا هو ، وفي مساء أحد أيام كانون الأول عام 2003 وفي المخيم الرابع في سجن أبي غريب ، وبعد توزيع وجبة العشاء ، أخذ صحنه كالعادة وانفرد معتزلا ً في ساحة المخيم التي تعصف بها رياح الشتاء القارصة يأكل طعامه ، كان المعتقلون يعرفون أن به مسّ من جن ، لكن الغريب أن القرآن كان لا يفارقه وذكر الله على لسانه أينما كان ، وبعد أن أنهى طعامه إقترب من سياج المخيم وهو يقرأ المعوذتين مطأطأ الرأس مرتعد الأطراف يدور حول نفسه ، يعرف الناظر إليه أن فيه مايريب وأنه غير مكتمل العقل والتصرف ، وكان حرس السجن من الامريكان يعرفونه حق المعرفة ولذا فقد كان إذا اقترب من سياج المخيم لايردعه أحد منهم لعلمهم بحالته ووضعه .
اقترب من السياج وهو يدندن بذكر الله وتلاوة آياته ، فأراد أحد حراس المخيم منعه والذي كان يراقبه من أحد أبراج الحراسة الأربعة المحيطة بالمخيم ، فصاح عليه ليبتعد عن السياج لكن صاحبنا ( وكعادة أمثاله ممن يفقدون الحس بالمكان والزمان ويغرقون في عالم اللا مرئيات ) لم يعره اهتماماً وواصل تلاوة آيات الله قرب السياج ، كان الأمريكي يعرف صاحبنا فهو كثيراً ما يقترب من سياج المخيم ، لكن الأمريكي هذه المرة أبى إلا أن يصرف صاحبنا عن السياج ويبعده عنه ، ثم عاود الكرة بنبرة أشد وصاح عليه : get back—get back أي ابتعد..ابتعد ، وحيث أن صاحبنا في عالم آخر ، لم يعر للحارس أي اهتمام وواصل حومه حول نفسه بالقرب من الأسلاك الشائكة المحيطة بالمخيم .
لما رأى الأمريكي أنه قد أصبح في موقفٍ محرجٍ ، خاصة ً وان جلّ معتقلي المخيم يراقبون ما يجري بفضول ، ولا بد له من اثبات شخصيته أمامهم لم يجد بداً هذا الحارس المغوار؟؟ إلا أن اشهر سلاحه وصوب نحو المسكين مهدداً ومكرراً get back - - get back … I will shoot you
اي ابتعد عن السياج وإلا فسأطلق النار عليك ، وكالعادة لم يعر صاحبنا اي اهتمام لتهديد الأمريكي ، فأصبح الأمريكي في وضع لا يحسد عليه وهو يرى أن المعتقلين ينظرون ماهو فاعل !
عندها قام المجرم بتصويب سلاحه ( الرصاص الحي ) وصوبه نحو المسكين فاسقطه أرضاً وهو يضحك ؟ فقد الوعي صاحبنا وأسرع المعتقلين بنقله الى باب المخيم ليتلقى العلاج وسط صيحات الإحتجاج والاستنكار من المعتقلين التي طالبت بمعاقبة الحارس المجرم الذي رمى بكل الأعراف والتقاليد والمواثيق الدولية عرض الحائط وجعل رصاصته تصيب من البريء موضعاً ، وكم تمنينا وقتها لو نملك ما يرد على المجرم طغيانه وجبروته وتمنى أحدنا لو ملك سلاحاً يردع به هذا المجرم وشعر الجميع بضيق ذات اليد والعجز واليأس وسط هذا الاستهتار المثير للغضب وكان لسان البعض يلهج بدعاء : (( اللهم انتقم منه … اللهم انتقم منه ))
ولم تمض إلا ثوان ٍ قليلة حتى جاء المدد الإلهي والنصر الرباني أسرع من طرف العين ولمح البصر فقد جاءت ضربة الله أمام الجميع وعلى مرأى ومسمع الكل لتقع على كاهل هذا الظالم وتجعل منه عبرة لمن اعتبر .
ففي الوقت الذي أسرع به المعتقلون لنقل الجريح الى باب المخيم لتلقي العلاج ، كانت سيارات الهمر توزع وجبة العشاء على الأمريكان في أبراجهم ، وفي أقل من 5 دقائق بعد الحادث وبينما كانت الهمر التي أتت بالطعام تقف أسفل برج الحراسة الذي أطلق المجرم منه النار على صاحبنا ، نزل السائق ليعطيه الزقُّوم وبينما المجرم يتابع ما يجري بفرح من أعلى البرج بتبختر ونشوة منتصر اذ جاءه العقاب الرباني عاجلاً غير آجل ، وبينما المجرم كان يضع ساقه بين أعمدة البرج ناداه صاحبه اسفل البرج ليعطيه طعامه ولما أراد التحرك إذا بقدمه تـٌحصر بين أعمدة البرج وحيث أنه كان قريباً من فتحة النزول (فتحة السلـّم) لم ير نفسه إلا وقد انقلب رأساً على عقب وقد التوت قدمه وكسرت ركبته وبدأت الدماء تنضخ منها كأنها نافورة ماء ، وهو معلق من قدمه بأعمدة البرج كأنه شاة مذبوحة .
صرخ المجرم ألماً بأعلى صوته وكأنه خنزير بري مستغيثاً بصاحبه أسفل البرج :
help me …….help me
فاسرع صاحبه ينادي بجهاز الاتصال بعض رفاقه يطلب منهم المساعدة في إنزال المجرم من البرج وقد تناثرت الدماء عليه وعلى جهاز الاتصال خاصته .

تعالت أصوات المعتقلين تكبيراً وتهليلاً وتحميداً وهم يرون الأنتقام الرباني المباشر يأتي بسرعة البرق أمام أعينهم ، واختلطت أصوات استنكارهم وشجبهم بصرخات الألم الصادرة من المجرم الذي فقد كماً هائلاً من الدماء العفنة .
كنت أحمل مصحفي وأنا أرى ما يحدث أمام ناظري من الآيات الربانية والمعجزات الالهية ثم ما لبثت أن اقتربت من البرج الذي تولى نوبة الحراسة فيه جندياً آخر فقلت له باللغة الانكليزية :
it’s arevenge of the lord
أي إنه الانتقام الرباني فصاح بي :no…….no
فقلت في نفسي : ذاك لأنك لا تؤمن بالله أصلاً !!

ذهبت عندها الى موضع الحادث الذي أصيب به المسكين ، فوجدت أثار الدماء على الأرض ، ووجدت نعله البلاستيكي المرقوع عدة رقع ، وقد علته الدماء فأخذته وديعة ً عندي حتى يرجع صاحبه .
مضت أيام ولم يعد المسكين ولم نعرف مصيره ، وكنت كلما نظرت الى نعليه استذكرت الحادثة وماجرى وقتها وكنت أعتز بنعلي الممسوس الذي كنا لا نعرف أن له عند الله المنزلة حتى أتانا من الله برهانها وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال :
(( إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يبلغها بعمل فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها ))

وكان درساً لي وللأخوة في المعتقل أن لا نبخس قدر أحد وإن بدا لنا من شأنه ما بدا ، فقد رفع الله قدره بمصحفه الذي كانت اياته لاتفارق شفتيه ، كما وكان درساً للأمريكان في نفس الوقت : أن أمر الله نافذ وتأييده نازل فللمظلوم ربٌ ينصره وللظالم أخذة ً لن يفلت منها وإن تجبّر وطغى واعتلى بروجاً مشيدة .

بقلم أحد إعلاميي الجيش الإسلامي في العراق
15/8/2009

__________________

الإعلام نصف المعركة .. أو أكثر ….
أمير الجيش الإسلامي في العراق
" حفظه الله وحماه وسدد على الحق لسانه وخطاه "
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك

يجب ان تسجل الدخول لكي تتمكن من التعليق